محمد سعيد رمضان البوطي
244
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
يا رسول اللّه يشتكي عينيه ، قال فأرسلوا إليه ، فأتي به ، فبصق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في عينيه ودعا ، فبرأ ، حتى كأن لم يكن به وجع . فأعطاه الراية ، فقال عليّ يا رسول اللّه ، أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا ( أي مسلمين ) ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ، ثم ادعهم إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق اللّه فيه ، فو اللّه لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم . ثم خرج فقاتل ، فكان الفتح على يديه « 16 » ، وغنم المسلمون كل ما في تلك الحصون من الأموال . أما ذانك الحصنان ، فقد ظل المسلمون يحاصرونهما ، حتى إذا أيقن من فيه بالهلاك ، سألوه صلّى اللّه عليه وسلم أن يخرجهم ويجليهم ويحقن دماءهم ويتركوا له الأموال ، فوافقهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على ذلك . ثم إنهم سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن تبقى خيبر تحت أيديهم يعملون فيها ويزرعونها لأنهم أعرف بأراضيهم وأعمر لها . ولهم شطر ما يخرج منها ، فصالحهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم على ذلك وقال لهم : على أنّا إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم » « 17 » . قال ابن إسحاق : « فلما اطمأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم ، شاة مصليّة ( مشوية ) وكانت قد سألت أي عضو من الشاة أحب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فقيل لها : الذراع ، فأكثرت فيها من السّم ، ثم سمّت سائر الشاة ، ثم جاءت بها ، فلما وضعتها بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها ، ومعه بشر بن البراء بن معرور ، قد أخذ منها كما أخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأما بشر فأساغها ، وأما رسول اللّه فلفظها . ثم قال : إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم ، ثم دعا بها فاعترفت ، فقال ما حملك على ذلك ؟ قالت : بلغت من قومي ما لم يخف عليك ، فقلت إن كان ملكا استرحت منه ، وإن كان نبيّا فسيخبر فتجاوز عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، ومات بشر من أكلته » « 18 » . والذي جزم به الزهري وسليمان التيمي في مغازيه أنها أسلمت . واختلفوا بعد ذلك ، هل قتلها النّبي صلّى اللّه عليه وسلم قصاصا عن بشر أم لا ، فأخرج ابن سعد بأسانيد متعددة أنه صلّى اللّه عليه وسلم دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها ، غير أن الصحيح ما رواه مسلم أن النّبي صلّى اللّه عليه وسلم قال لها : « ما كان اللّه ليسلّطك على ذاك ( أي على قتلي ) ، قالوا : ألا نقتلها يا رسول اللّه ؟ قال : لا » . وقسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم غنائم خيبر بين المسلمين ، للراجل سهم وللفرس سهمان ، وفسّر ذلك
--> ( 16 ) الحديث متفق عليه ابتداء من قوله : لأدفعن لوائي غدا . . . إلخ . ( 17 ) متفق عليه . ( 18 ) سياق القصة بهذه الصيغة لابن إسحاق ، والقصة متفق عليها عند البخاري ومسلم .